Tuesday 22 January 2019
الصفحة الرئيسية      كل الأخبار      اتصل بنا      English
الشبیبه - منذ 19 أيام

حكايات الوجود العماني في تاريخ ماليزيا وأرخبيل الملايو

إعداد - نصر البوسعيدي

يا عُمان نحن من عهد النبي *** أوفياء من كرام العرب

نعم، هكذا هم أهل عمان عبر التاريخ، فقبل الإسلام كانت عمان همزة الوصل الحقيقية لأغلب وأهم خطوط مواصلات التجارة العالمية وأهم مركز لتصدير واستيراد السلع، لاسيما ونحن نعلم تماماً أن عمان التي اشتهرت بمجان كانت كذلك من أهم الدول التي تصنع السفن المستخدمة في أساطيل الحضارات المجاورة القديمة، قبل أكثر من 4 آلاف عام قبل الميلاد، ويكفينا أن نعلم أن سرجون ملك أكاد الذي يعدّ أول إمبراطور بحق عبر التاريخ قد حفر في أحد لوحاته البابلية الموثقة عبارة: «نجحنا بجلب مراكب مجان (عمان)، ودلمون (البحرين)، وملوخة (بلاد السند) إلى ميناء أكاد».

وهذه تعدّ من أقدم الإشارات إلى حضارة العمانيين المتمثلة في مجان مدينة النحاس التي كانت من أهم سلع البلاد المصدرة إلى تلك الحضارات.

وفي العصر الإسلامي استمر دور أهل عمان في الربط بين طرق التجارة العالمية من خلال نواخذتها وبحارتها المهرة، وكذلك من خلال موقع عُمان الاستراتيجي والمتحكم بموانئه على أهم محطات تنقلات السلع بين الشرق والغرب.

كما أن العمانيين قبل ذلك ومنذ عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب شكّلوا أهم عناصر الجيوش الإسلامية التي شاركت في الفتوحات الإسلامية خاصة اتجاه آسيا الوسطى وبلاد فارس بشكل عام، وكان من أبرزهم القائد العماني المهلب بن أبي صفرة وأزد عمان الذين كانوا يشاركونه تلك الفتوحات ونشر الدعوة الإسلامية.

وفي الوقت نفسه كان التجار من أهل عمان من أهم العناصر الذين شاركوا في نشر الدعوة الإسلامية في أنحاء كثير في شرق آسيا، فبينما انشغل العالم الإسلامي بصراعاته السياسية كان أهل عمان يذهبون بأساطيلهم التجارية نحو دول شرق آسيا كالصين وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا، وهنا سنركز على الوجود العماني في أرخبيل الملايو لأن عمليات البحث فيها قليلة والمعلومات ضئيلة عكس الصين والوجود العماني فيها الموثق، خاصة من خلال المصادر التاريخية الصينية التي وثقت وتحدثت عن تجار عمان خاصة سيرة أبي عبيدة عبدالله بن القاسم الصحاري الذي يعدّ أول عربي قام برحلته إلى الصين في القرن الثامن الميلادي، ولقبه إمبراطور الصين حينها وهو (سون شين زون) لنبل خلقه وسيرته الحسنة بـ»جنرال الأخلاق الطيبة» لذلك الأثر الطيب الذي تركه هذا العماني في الصين ومن خلاله نشر الإسلام في ربوع المدن الصينية التي عاش فيها مثلما تشير له الوثائق الصينية نفسها، كالمؤرخ الصيني المعروف (سو شي) وكتاب (تاريخ عهد سلالة سون) والذي أشار صراحة إلى ثراء الشيخ العماني عبدالله الصحاري الذي طلب التبرع ببعض أمواله لترميم أسوار مدينة قوانتشوا الصينية عام 1075م، وهذا أكبر دليل على أن الوجود العماني في تلك الأنحاء من آسيا خاصة إقليم الملايو كان قوياً ومستمراً قبل الإسلام وبعده، فالتجارة لا تتوقف ولا يحدها عصر معين بما أن سفن أهل عمان التجارية تجوب البحار والمحيطات.

ومما لا شك فيه أن الكثير من العمانيين الذين وصلوا إلى تلك الأنحاء من آسيا لم يحالفهم الحظ بتوثيق التاريخ إلا ما ندر، لذا فنحن هنا نحاول بقدر الإمكان تسليط الضوء على ما ورد في تاريخ تلك الشعوب للوجود العماني بينهم، خاصة ونحن نعلم أن براعة أهل عمان في تصنيع السفن عبر التاريخ الطويل لهذه الحرفة التي يتقنونها وقيادتهم لتلك الأساطيل التجارية في طرق التجارة العالمية آنذاك، مكنتهم من الوصول إلى أرخبيل الملايو الذي يضم إندونيسيا وسنغافورة، وماليزيا وإلخ من سواحل المدن الآسيوية ليصبح العمانيون التجار في العهد الإسلامي السبب الرئيسي في نشر الإسلام بين تلك الشعوب من خلال حسن معاملتهم وأمانتهم التي مثلت أخلاق المسلم العربي الذي بعث منهم خاتم الأنبياء والرسل، ليبدأ الإسلام هناك يصنع من أرخبيل الملايو شعوباً إسلامية كونت لها كيانات سياسية يشهد لها التاريخ مثل مملكة بيرلاك، وسلطنة ملقا، وسلطنة كلنتان وغيرها.

ولقد أشار أشهر المؤرخين والرحالة العرب إلى نشاط العمانيين في القارة الآسيوية بتلك الدول، ويكفي أن نعلم بأنهم كانوا يسمون صحار دهليز الصين، لمعرفتهم بضخامة التبادل التجاري ونشاطه بين تلك الدول وأهل عمان، كالمسعودي وكتابه مروج الذهب والذي ذكر من خلاله أن العمانيين يقصدون مدينة خانقو (كانتون الصينية) بسفنهم حاملين تجارتهم وأمتعتهم.

بل إن أهل عمان وبوجودهم التجاري في تلك الأنحاء شكلوا الرابط الحقيقي بين دول آسيا والخليج، حيث يقول التاجر والرحالة المعروف (سليمان التاجر السيرافي) الذي عاش في القرن التاسع الميلادي الذي أتى من سيراف إلى مسقط ومنها انطلق مباشرة إلى الصين: «ذكروا أن أكثر السفن الصينية تحمل من سيراف، وأن المتاع تُحمل من البصرة وعُمان وغيرها إلى سيراف، فيعبأ في السفن الصينية بسيراف وذلك لكثرة الأمواج في هذا البحر.. فإذا عبئ المتاع بسيراف استعذبوا منها الماء وخطفوا إلى موضع يقال له مسقط... ثم إلى موضع يقال له صحار فتخطف المراكب منها إلى بلاد الهند».

ولنركز هنا على الوجود العماني في أرخبيل الملايو وتحديداً ماليزيا تلك البلاد التي عرفها العمانيون منذ القدم عبر التاريخ، وأثّروا كثيراً في الشعب الماليزي بنشر الإسلام والثقافة العربية وبعض العادات العمانية بينهم.

وكانت البداية في التاريخ المدون لهذا الوجود تلك المذبحة التي حدثت في الصين إثر حادثة التمرد على عائلة سونغ وراح ضحيتها أكثر من 100 ألف تاجر، وتسببت في أن ينتقل التجار العمانيون من الصين إلى المكان الأكثر أماناً في أرخبيل الملايو، فكانت ماليزيا وما حولها هي قبلة التجارة العمانية وأساطيلها.

لذا لا نستغرب بتاتاً أن نجد بعض مصادر التاريخ الملايوي تذكر مثلاً أن أحد ملوك (قدح) القديمة أصله يعود إلى منطقة الخليج وتحديداً من (غومرن) مثلما تنطق لديهم والتي تعني (هرمز العمانية).

ونجد كذلك إشارة مهمة جداً لأحد المؤرخين العرب واسمه أبو زيد في عام 916م، قد ذكر حرفياً في كتاباته أن مملكة (كلاه بار – بالهند) وتأتي إليها السفن العمانية ومنها تعود محملة بالبضائع لموانئ عمان.

وجزيرة (كلاه بار) أشار إليها المؤرخ وعالم الفلك الملك الأيوبي أبو الفداء إسماعيل بن علي بن محمود (1273-1313م) حينما قال في كتابه تقويم البلدان: «وجزيرة كلة فرضة ما بين عُمان والصين، ومنها يجلب الرصاص المنسوب إليها في بحر الهند، وفيها مدينة يسكنها المسلمون».

وحينما نمعن في الإشارة أعلاه فهي دليل كبير جداً على تلك المرحلة التي وصل فيها أهل عمان إلى تلك الأماكن من الهند وجزر الملايو منذ قديم الزمان حتى باتت عمان هي الرابط الأساسي لتلك الأنحاء البعيدة في خط التجارة العالمي بفضل براعة العمانيين في صناعة وقيادة السفن لغرض التجارة العالمية، ومنذ أزمة طويلة جداً تعود إلى ما قبل الميلاد، فكانت موانئ عمان بالنسبة لتجارة الهند والصين والدول الواقعة في نطاق أرخبيل الملايو كماليزيا تمر جميع بضائعها للشرق برفقة البصرة وفارس إلى موانئ عُمان.

وإليكم ما رواه الرحالة الخوزستاني واسمه (بزرك بن شهريار الرام هرمزي) عن نوخذة اسمه إسماعيلويه سنة 317هـ، لما يشير لأهمية موانئ عُمان في خطوط التجارة العالمية والذي كتب بقلمه الآتي:

«خطفت من كله، فلقيني في طريقي سبعون بارجة، فحاربتهم ثلاثة أيام متوالية، وأحرقت عدة منها... وقطعت من كله إلى أن وصلت إلى شحر اللبان (ظفار) في أحد وأربعين يوماً، فأخذ السلطان بعُمان من عاشور الأمتعة التي في مركبي ستمئة ألف دينار، وترك على الناس من العشور في بضائع وغير ذلك مما سامحهم فيه».

لقد فقدنا جزءاً كبيراً من التدوين التاريخي القديم للوجود العماني في أرخبيل الملايو، إلا أننا وجدنا في القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر إشارات للتأثير العماني في ذلك الجزء من العالم كالأقمشة وبعض الأطعمة والجياد والسفن التي يصفها الشعب الملاوي بأنها مسقطية، نسبة إلى عُمان ومدينتها مسقط.

حيث أشار (محمد أرشد) وهو أحد مستشاري السلطان عبدالحميد عبدالحليم شاه الذي حكم في أواخر القرن 19 الميلادي الذي دون قصة ملك مملكة (قدح) الواقعة شمال ماليزيا حينما سافر من الهند لمملكة (قدح) بعد وفاة أبيه عن طريق سفينة عمانية من نوع البغلة فقال: «وفي مطلع جمادى الآخرة عام 1122هـ، طلب تونكو محمد جيوا إلى سيده الشيخ عبدالجليل، وحابس ساب، الذهاب إلى مملكة قدح على متن بغلة رجل مسقطي توقف لطارئ في الهند في طريقه إلى الجنوب الشرقي... ليعتلي محمد جيوا العرش بعد ما حزن لنبأ وفاة والده السلطان، وكان من قدر الملاح المسقطي أن يخلد التاريخ الملايوي ذكر سفينته التي حملت السلطان الجديد».

وهذا دليل أكبر على سهولة إبحار العمانيين إلى ماليزيا منذ ما قبل الإسلام وبعده ونشروا الإسلام في تلك الأنحاء لدرجة تأثر الشعب الماليزي ببعض العادات والتقاليد العمانية، بل إن هناك قرية في ماليزيا اسمها (كامبونغتانجونغ ماسكات) وتقول بعض الروايات التاريخية الماليزية أن ماسكات هي إشارة لمسقط أو لأصل الأسرة العربية الحاكمة في تلك القرية شرقي ماليزيا بسلطنة بروناي الملايوية التي يقودها ذو أصول عربية فهل هو عماني الأصل حاله من حال التاجر العماني عبدالله الصحاري الذي أقام في الصين لفترة طويلة وأصبح من كبار أعيان مدينة قوانتشوا.. كل الاحتمالات واردة، لاسيما أننا ندرك أن سلاطين وحكام ماليزيا وممالك أرخبيل الملايو تأثروا كثيرا بزي سلاطين عُمان، ويطلقون عليه صراحة الزي المسقطي وخاصة بعد عام 1786م، بعدما أصبح رمزا لحكام ونبلاء الملايو.

وفي العصر الحديث تم ذكر بيان ملكي رسمي أصدرته إدارة المعلومات الماليزية عام 2017م، أن تصميم الزي المسقطي مصدره العاصمة العمانية مسقط بمناسبة تنصيب صاحب الجلالة محمد الخامس بماليزيا.

الجدير بالذكر أن سلطان مملكة قدح عبدالحميد حليم شاه (1864-1947م) كان من أوائل سلاطين ماليزيا اتخذ الزي المسقطي زيا رسميا له.

بل إن تأثير العمانيين عبر التاريخ على المجتمع الماليزي وأرخبيل الملايو تمثل كذلك بانتشار نوع من الحلويات لدى الماليزيين ويطلقون عليها الحلوى المسقطية نسبة إلى الحلوى العمانية والتي أصبحت صناعتها من عادات وتقاليد الملايوية حيث يقدمها الماليزيون في مناسباتهم كعيد الفطر والأضحى والأعراس والمولد النبوي وما يشابهها من مناسبات كما يفعل أهل عمان.

لتظل الشواهد التاريخية وبعض العادات والتقاليد العمانية عالقة في تلك الأنحاء من القارة الآسيوية والتي انتشر فيها الإسلام عن طريق العرب وخاصة أهل عمان من كانوا يسيطرون على طرق التجارة ووصلوا إلى تلك الأنحاء حتى ما قبل الإسلام، وبعده، لنقول بأن هناك الكثير من القصص المدهشة لتاريخ العمانيين وتأثيرهم ودورهم بنشر الإسلام والعادات والتقاليد العربية لم تدونها كتب التاريخ وللأسف.

المراجع:

- عُمان في الذاكرة الماليزية، المرجعية التاريخية والتراث الثقافي للشعب العماني في ماليزيا، إعداد أ.رحمة بن أحمد الحاج، نبيل ندري، د.أدهم محمد حموية، د.إلميرا أخماتوف، أ.محمد صالح يابر، الطبعة الأولى 2018م، ذاكرة عُمان – سلطنة عُمان – مسقط.

- الدور العمـــــاني في وحدة الأمة، بقلم مجموعــــــة من البــــــاحثين، الطبعــــــة الأولى 2016م، ذاكرة عُمان – سلطنـــــة عمان – مسقط.

أخبار ذات صلة

آخر الأخبار
هشتک:   

حكايات

 | 

الوجود

 | 

العماني

 | 

تاريخ

 | 

ماليزيا

 | 

وأرخبيل

 | 

الملايو

 | 
الأکثر مشاهدة خلال 6 ساعات

الأکثر مشاهدة خلال 24 ساعة

الأکثر مشاهدة خلال اسبوع

مصادر